الساعة في تمام
الثامنة و النصف في أحد أيام الإثنين خاصة
في فترة الثمانينات تسمع كل فرد من الأسرة ينادي علي من لم يحضر ليجلس أمام شاشة
التلفاز في ذلك الموعد الهام للكثير من المصريين في ذلك الوقت بينما تنظر إلي
الشوارع تراها تكاد تكون خالية من المارة وعندما تدق التاسعة تسمع موسيقي الناي
الشهيرة ويخرج العالم الكبير قائلاً جملته الشهيرة في بداية برنامجه " أهلاً
بيكم " والذي لم يكن إلا الدكتور مصطفي محمود العالم والأديب والفيلسوف الذي
تربي علي برنامجه كثير من مواليد السبعينات والثمانينات و التسعينات في فترة لم
يكن هناك شيء إسمه القنوات الفضائية ولا قنوات الأفلام الوثائقية ورحلة جديدة مع
رحالة ورحلة في سيرة الدكتور مصطفي محمود و...."أهلاًبيكم"
==============================================================
النشأة:
في يوم 27ديسمبر عام
1921م خرجت أولي صرخات الطفل الرضيع والإبن الثاني لكمال محمد حسين آل محفوظ في
قرية "ميت الكرماء" لنسب يمتد إلي علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن
أبي طالب رضي الله عنهم وأرضاهم لم يكن مصطفي الصغير كمثل غيره من الأطفال يلعبون
الكرة وغيرها من لعب الأطفال أما هو فكان يهوي التفكر فيما حوله وتجرب كل غريب
وجديد وكان أول لقاء له مع العلم كان بسبب شيخ الكتاب حيث كان هناك مشكلة كان
يعتبرها الصغير عويصة ألا وهي الصراصير فأعطاه الشيخ حجاباً لمنعها لكن لم يفعل
ذلك شيئاً للصراصير بل كانت تمشي علي ورق الحجاب وهذا الأسلوب من الشيخ إن دل علي
شيء دل علي الجهل والفساد الذي ضرب شتي مناحي الحياة في مصر مثلها مثل معظم دول
العالم الإسلامي إثر الإستعمار البغيض فكانت تلك الواقعة دافعاً للصغير إلي ان
يقوم بعمل معمل صغير خاص به في المنزل وقام بتحضير مبيد حشري للقضاء علي الصراصير
وقد كان يسبب ذلك حرائق وإنفجارات ككثير من التجارب العلمية ولم يكن يلقي ذلك أي
إعتراض من والده الذي كان يشجع طفله علي ذلك حتي أنه كان يترك له الكتب لكي يحبها
ويقرأها وفي إحدي الأيام خلال تعلمه بالمرحلة الإبتدائية ان ضربه مدرس اللغة
العربية فإمتنع عن الدراسة لثلاث سنوات حتي إنتقل المدرس لمدرسة آخري .
وفي هذه الطفولة الغريبة
والمتفردة كان إلي جانب حبه وعشقه للعلم كان يحب الموسيقي فكان يمتلك ناي يعزف
عليه لحبه للموسيقي الذي كان له فيها صولات وجولات فيما بعد و في سن الثامنة عشر
توفي الأب بعد صراع مع مرض الشلل .
===========================================================
المشرحجي:
إلتحق بكلية الطب بعد
ان كانت الأسرة تريد إلحاقه بكلية الحقوق وكان شقيقه الأكبر مختار يريد ان يدخله
للكلية الحربية لكنه دخل لكلية الطب التي تتناسب مع ميوله وتوجهاته حيث كان يريد
ان يعرف سرالإنسان ماهو ماكنهه وكيف يعمل جسده وأسرار العلاقة بين الإنسان وربه
حتي انه في أحد الأيام في بداية إلتحاقه بكلية الطب من فرط إندماجه في حب علم
التشريح كان يجلس في المشرحة أكثر من زملائه حتي سمي بال"مشرحجي" وأغلق
عليه الباب حتي ظل يصرخ ويهتف حتي يفتح له العامل بعد ان أغلق عليه الباب إلا ان
تلك الحادثة لم تثنيه عن حبه وعشقه للتشريح
وقد قام بعد ذلك بشراء نصف جثة إنسان ومخ إنسان ليمارس هوايته في التشريح
في المنزل وخلال الإجازات لكن تسبب ذلك العشق في مرضه بسبب رائحة الفورمالين التي
تحفظ فيها الجثث وسبب ذلك تأخره ثلاث سنوات أصيب خلالها بمرض في الصدر و خلالها
قرأ كل ماوقع في يده من الأدب العالمي .
========================================================
الموسيقي:
ومنذ طفولته كان
محباً للموسيقي خاصة لإمتلاكه آلة الناي وحبه للعزف عليها فكان يمارس هوايته في حب
الموسيقي في العمل وتوفير دخل لنفسه من خلال عمله مع الفرق الموسيقية لإحياء
الأفراح حتي رآه زملاء له في الكلية فكانت الفضيحة الكبري له في الكلية .
======================================================
الصحافة:
وبالإضافة إلي ذلك
كان يكتب في الصحافة وقد أعطي بعض قصصه التي ألفها للعملاق عباس محمد العقاد
لينشرها له وقد بدأ بالكتابة في مجلة روزاليوسف ثم صباح الخير و كانت بدايته في
الكتابة في خلال فترة دراسته الجامعية حباً في الكتابة ولتوفير مصدر للدخل وكان في
بداياته أحياناً يكتب بتوقيع م . م .
=======================================================
مابين الله
والإنسان إلي العلم والإيمان :
خلال تلك الفترة لم
يتوقف عن التفكير والتفكر فيما حوله حتي كتب كتابه الله والإنسان التي تتفكر في
خلق الإنسان وعلاقته بالله وقد ذكر رحمه الله أنه ترك كل المسلمات وراء ظهره من
آراء دينية أو ماجاء في كتب سماوية وتعامل بعقله المجرد وقد أثار ذلك ضجة هائلة
وعارض الأزهر ماجاء بذلك الكتاب وتحدث رحمه الله عن أنه كان توجهه علمانياً صرفاً
في بداياته كما أصدر بعد ذلك سلسلة مقالاته في مجلة صباح الخير التي كانت معقل
التيار اليساري في الصحافة المصرية في ذلك الوقت وهي مقالاته المسماة بتفسير عصري
للقرآن الكريم وكعادته أثار الجدل والعديد من المعارك ضده وشنت ضده د.عائشة
عبدالرحمن حرباً بحجة أنه ليس عالماً في الدين حتي يفسر القرآن الكريم ويظل يتضارب
بين موجات الفكر ويفكر في علاقة الإنسان بالله ويتعرض لمحنة الشك ويقرأ في البوذية
والهندوسية والفيدا والراميانا وهي أديان الهنود القدامي والزرادشتية واليهودية
والمسيحية وخلال تلك الفترة لم يهدأ يوماَ واحداً عن إثارة الجدل ولم يشفي كل ذلك
ظمأه وكل ذلك لم يفسر ماهو الإنسان وتراوح بين كتب اليسار حتي يفسر الإنسان ورآي
ان الإنسان لا يمكن تفسيره وتفسير الإنسان بالمنهج العلمي أو المنهج اليساري حيث
رآي أنها في البداية او النهاية هي مناهج مادية لا يمكن ان تقدم تفسيراً للإنسان
ثم بدأ بعد ذلك يكتب كتب مثل "حوار مع صديقي الملحد" وغيرها وغير
كتاباته من الروايات والمقالات إلي كتب مثل نقد اليسار وكتب عن الإسلاميات وتوقع
إنهيار الفكر الإشتراكي والشيوعي قبل إنهيار الإتحاد السوفييتي بزمان كمان كانت
كتاباته مثل "حوار مع صديقي الملحد " للرد علي الإنتقادات التي طالته و
الإتهامات بسبب مقالاته السابقة .
" قيمة الإنسان هي مايقدمه
إلي الحياة بين ميلاده ومماته "
هي المقولة التي قالها
الدكتور مصطفي محمود وآمن و عمل بها إلي أخر يوم في حياته وهو ماسعي له دائما
ليترك بصمة يفيد بها من يأتي من بعده .
============================================================
العلم و
الإيمان:
بدأت القصة عام 1970
عندما أراد الدكتور مصطفي محمود ان يقدم برنامجاً علمياً يربط فيه العلم بالدين
والإعجاز العلمي في القرآن الكريم وذلك بعد ان خرج من ثلاثين عاما من الشك وعرض
البرنامج في البداية علي التلفزيون المصري الذي قدر ميزانية 30جنيه للحلقة وهو ما
أنذر بوأد المشروع في مهده إلا ان أحد رجال الأعمال علم بذلك فقام بإنتاج البرنامج
علي نفقته الخاصة خاصة مع فكرة البرنامج الجديدة والقوية وخرج البرنامج للنور ولا
ينسي الكثيرون منا موسيقي الناي الشهيرة التي كانت مقدمة البرنامج و الذي كان يجلس
ليشاهده جميع أفراد الأسرة من الجد للحفيد وقد كان برنامجا جديدا علي العالم العربي
خاصة في عهد لم يكن هناك هذا الإنفتاح الفضائي ولم يكن العالم العربي يعرف البرامج
العلمية والوثائقية بشكل كبير وهو بلا شك من أهم البرامج إن لم يكن أهمها في تاريخ
التليفزيون المصري وقد قدم الدكتور مصطفي محمود أكثر من 400حلقة
إلا أنه توقف في عهد وزير الإعلام صفوت الشريف
في عهد الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك بسبب مطالبة الوكالات الصهيونية واليهودية
إيقاف البرنامج وذلك بسبب موقف الدكتور مصطفي محمود الثابت من عداوته للصهيونية وكتاباته
الكثيرة ضدها خاصة أنه في عام 1994 جاء خطاب من رئاسة الجمهورية مطالباً لإياه بالتوقف
عن مهاجمة الصهاينة خاصة بعد مطالبة الوكالات والمؤسسات اليهودية والصهيونية بذلك
وهو مازاد الدكتور مصطفي محمود إصراراً علي موقفه وزاد هجوماً عليهم وإيضاحاً
لحقيقتهم فكانت نهاية البرنامج وإيقافه خاصة لتلميحه أكثر من مرة ان الصراع العربي
– الإسرائيلي سينتهي عاجلاً أو آجلاً لصالح العرب لأنهم أصحاب الحق .
=========================================================
مسجد
محمود:
كان الدكتور مصطفي
محمود يري ان المسجد لا يمكن ان يكون مجرد ان نستخدمه للصلاة فقط لكن يجب ان
يستعيد المسجد دوره في الإسلام هو ان يكون جامعا ً و جامعة فمنذ العصور الأولي
للإسلام كان المسجد بمثابة مركز الدولة في عهد النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ثم
تطور الأمر ليضم مدرسة وجامعة ومكتبة ويكون مركزاً للعلم والعبادة ومن هذه الرؤية
في عصور الإسلام الذهبية إستخدم الدكتور مصطفي محمود تلك الرؤية ليبني علي أساسها
مسجد محمود .
فبني المسجد وألحق به
مستشفي لخدمة الفقراء وضم له أحدث الأجهزة الطبية ليعالج الفقراء كما يعالج
الأغنياء في المستشفيات الكبري ولكن بأسعارزهيدة وفريق طبي غاية في الكفاءة وكما
قام بتأسيس جمعية فلكية في المسجد نفسه وإشتري لها تليسكوب حديث ليراقب به الأجرام
والنجوم كما ضم للجمعية الفلكية متحفاً ومكتبة ليستفيد الزائر بالقراءة والمشاهدة
وكان يستقبل طلاب الجامعات مثل طلاب كلية العلوم ويشرح لهم بمنتهي الود والبساطة
كما كان يعرض بعض مقتنيات المتحف للجمهور لتعم الإستفادة علي الناس كما كان يعقد
كل ثلاثاء جلسة ثقافية يدعو لها أشهر رجال العلم والدين والثقافة في مصر ويتناقش
معهم ويعرض عليهم الأفلام الثقافية والسينمائية حتي أنه عرض عليهم فيلم الرسالة و
الذي كان ممنوعاً في مصر في ذلك الوقت .
================================================
أزمة الشفاعة:
كانت تلك آخر الأزمات
التي حدثت له بسبب رؤيته للشفاعة حيث قال ان الشفاعة ليست مجرد سبب لدخول الجنة
بشكل مباشر إعتماداً علي شفاعة النبي صلي الله عليه وسلم وان نذنب ونعصي الله بحجة
الشفاعة بل هي مرهونة بطاعة الله وان تلك الطريقة لفهمها هي وسيلة للتواكل و
التكاسل وشن العديد من الدعاة وعلماء الدين هجوماً واسعاً عليه ووقف وحده ضد
التيار
و لم ينصفه إلا الشيخ
"نصر فريد واصل" حيث قال:
"الدكتور مصطفى محمود رجل علم وفضل ومشهود له
بالفصاحة والفهم وسعة الإطلاع والغيرة على الإسلام فما أكثر المواقف التي أشهر
قلمه فيها للدفاع عن الإسلام والمسلمين والذود عن حياض الدين وكما عمل على تنقية
الشريعة الإسلاميّة من الشوائب التي علقت بها وشهدت له المحافل التي صال فيها وجال
دفاعاً عن الدين " .
ولا أستبعد ان لو كان
الشيخ محمد الغزالي حياً في ذلك الوقت لدافع هو أيضاً عن الدكتور مصطفي محمود لأنه
كان عالماً مثقفاً واسع الإطلاع و داعية مجدد وكان داعماً للعلم ويري ان الدين و
العلم لاينفصلان .
=============================================
أسرته:
لايمكن ان ننتهي من
تلك السيرة العطرة من دون ان نتحدث و لو بنبذة بسيطة عن أسرته وأولاده حيث تزوج
أول مرة عام 1961وإستمرالزواج حيث إنتهي
بالطلاق 1973وأنجب خلالهم ولديه أمل وأدهم وتزوج مرة آخري عام 1983وإنتهي بالطلاق
عام 1987 .
================================================
النهاية:
وفي تمام السابعة
صباحاً في يوم 31أكتوبر 2009 توقف نبض الرجل الذي آثار الجدل دهراً وأفاد الناس
دهوراً وصعدت الروح إلي بارئها بعد رحلة علاج دامت عدة شهور وشيعت الجنازة من
مسجده بالمهندسين ولعل ماتركه الدكتور مصطفي محمود من كتب ومقالات وأكثر من
400حلقة من برنامجه العلم و الإيمان تكون له من عدم إنقطاع عمل المرء بعد موته
وفقاً لحديث النبي صلي الله علي وسلم :
" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة
جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعوا له "




0 التعليقات:
إرسال تعليق