اختار مجاهدي ليبيا السيد عمر المختار في مهمة إلى السودان الشقيق في سنة 1312 هـ وتقرر ايضا أن يكون معه في الرحلة السيد
بمرورنا بالكفرة وجدنا بعض تجار من قبيلتي زوية والمجابرة وأحد تجار طرابلس يقال له بن خليف وتاجر من بنغازي من قبيلة الجهمة ، الجميع يتأهبون إلى السفر للسودان ورأينا أن ننضم إليهم للتعاون على مشقة وأتعاب السفر والرفيق قبل الطريق كما يقال ، وفي قلب الصحراء بالقرب من السودان قال بعض رفاقنا من التجار الذين تعودا المرور من هذا الدرب إننا سنمر بعد وقت قصير بطريق وعر لا مسلك لنا غيره ، ومن العادة - إلا في القليل النادر - يوجد فيه أسد ينتظر فريسته من القوافل التي تمر من هناك ، وتعودت القوافل أن تترك له بعيرا كما يترك الإنسان قطعة اللحم إلى الكلاب أو القطط ، وتمر القوافل بسلام ، وفي بعض الأحيان يكون الدرب خاليا من هذا الأسد فتمر القوافل دون أن تترك شيئا وعلينا أن نشترك في ثمن بعير يكون هزيلا فنتقاسم ثمنه ونتركه إذ ما وجدنا الأسد ، فاحتد السيد عمر المختار وعارض بشدة وقال : إن الإتاوات التي كان يفرضها القوي منا على الضعيف بدون حق منعناها ولا يصح لنا أن نعيد إعطائها للحيوان ، إنها علامة الهوان والمذلة ، إننا سندفع الأسد بسلاحنا إذا ما اعترض طريقنا ، وصمم السيد عمر النختار على تنفيذ رأيه ، وحاول بعضنا أن يثنيه خوفا على سلامتنا من الأسد ، فأجاب سيدي عمر بقوله إنني أخجل عندما أعود وأقول إنني تركت بعيرا إلى حيوان اعترض طريقي وأنا على استعاد لحماية ما معي وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، إنها عادة سيئة يجب أن نبطلها ، وما كادت القافلة تقترب من الممر الضيق حتى رأينا الأسد يتطلع في مكانه الذي اتخذه على إحدى شرفات الممر فقال أحدنا وقد ارتعشت فرائصه خوفا أنا مستعد أتنازل عن بعير من بعائري ولا تحاولوا مشاكسة السبع ، وانبرى السيد عمر المختار ببندقيته وكانت من نوع السلاح اليوناني وهو أحسن نوع عندنا يومذاك ورمي الأسد بالرصاصة الأولى فأصابته ولكن في غير مقتل واندفع الأسد يتهادى نحونا فرماه بأخرى صرعته ، وارتبكنا جميعا خوفا من أن هناك بعض الأساد تفاجؤنا ولكن الله سلم ، وأصر السيد عمر على أن يسلخ جلد الأسد ليراه غيرنا من أصحاب القوافل فكان له ما أراد .
ههذ الحادثة الصغيرة في نظر السيد عمر المختار كان لها الوقع البالغ المعبر عن شجاعة عمر المختار ، وكان لها معناها ومغزاها الكبيران فتناولتها الألسن يومذاك بمنتهى الإعجاب ، ويكمل راوي الواقعة ويقول : ولقد سألت سيدي عمر المختار ونحن يومذاك في دور المغاربة بخيمة السيد محمد الفائدي عن هذه الواقعة فأجاب بقوله :
تريدني يا ولدي أن افتخر بقتل صيد فيقال لي ما قاله قديما أحد الأعراب لمنافسه وقد قتل أسدا ( أتفتخر علي بأنك قتلت حشرة) ولم يشأ أن يحدثنا السيد عمر عن التفاصيل مكتفيا بقوله : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى .
فلا عجب أن يقتل الأسد عمر المختار سبع الصحراء لأنه تربى على الكفاح والجهاد ومن قبل على القرآن وسيرة الصحب الكرام رضي الله عنهم وجميعهم من مدرسة أعظم قائد في تاريخ الإنسانية سيدي وحبيبي المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو من اشجع ما حملت الأرض على ظهرها ولها الفخر أن يطا محمدا ترابها وأي فخر وياليتني كنت ترابا تحت قدم محمدا .
المصدر كتاب عمر المختار - تأليف ابن الأشهب صــ 39

0 التعليقات:
إرسال تعليق